السيد محمد تقي المدرسي

14

البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)

بِمَ عرفت ربك ؟ إذا تدبر الإنسان في الخلق والخالق ، عرف بفطرته تباين الخالق عن الخلق ، فالمخلوق تحده الجهات ، وله صورة مادية تُحس وتُلمس ، وله قُرب وبُعد ، ويتوالد بعضه من بعض ، ويتداخل بعضه في بعض . . أما الخالق فليس يشبه خلقه في شيء من ذلك ، سبحانه وتعالى عن كل ذلك علواً كبيراً . فلقد سئل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : بمَ عرفت ربك ؟ قال : " عرَّفني نفسه " . قيل : وكيف عرَّفَك نفسه ؟ قال : " لا يشبهه صورة ، ولا يحس بالحواس ، ولا يقاس بالناس . قريب في بعده ، بعيد في قربه . فوق كل شيء ولا يقال شيء فوقه . أمام كل شيء ولا يقال له أمام . داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء . وخارج من الأشياء لا كشيء خارج من شيء . سبحان من هو هكذا ، ولا هكذا غيره ، ولكل شيء مبتدء " . « 1 » نفي الصفات إذا تفكرنا في الخلق وجدنا فيه صفات نقص وضعف فتتحول إلى صفات كمال وقوة ، ثم تعود إلى النقص والضعف . فهو جاهل فيصبح عالماً بالتعلم ، ثم يجهل بالنسيان والسهو ، وهو عاجز فيصبح قادراً بالتمرس ثم يعجز بالمرض والشيخوخة ، وهو صغير فيكبر ثم يعود متضائلًا صغيراً ، وهو فقير فيستغني بالكسب أو غيره ، ثم يعود فقيراً حين يخسر كل شيء ، وهكذا . . ولكن هذه الصفات وتغيراتها لا تصدق بحق الخالق عز وجل ، إذ توحيده يعني نفي الصفات عنه ، لأن طُرُوّ هذه الصفات وزوالها يدل على مصنوعية

--> ( 1 ) - الأصول من الكافي ، الشيخ الكليني ، ج 1 ، ص 67 .